الجصاص

442

أحكام القرآن

فأكفاه على يده اليسرى ثم غسل كفيه ، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى فغسل كفيه ثلاث مرات ، ثم أدخل يده اليمنى الإناء فلما ملأ كفه تمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى فغسل ثلاث مرات ، ثم غسل وجهه ثلاث مرات ، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات ، ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاث مرات ، ثم أدخل يديه الإناء حتى غمرهما بالماء ثم رفعهما بما حملتا ، ثم مسح رأسه بيديه كلتيهما ، ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليمنى ، ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات ، ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليسرى ، ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات ، ثم أخذ غرفة بكفه فشرب منه ثم قال : " من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا طهوره " . وهذا الذي رواه علي في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم هو مذهب أصحابنا ، وذكر فيه أنه بدأ فأكفأ الإناء على يديه فغسلهما ثلاثا ، وهو عند أصحابنا وسائر الفقهاء مستحب غير واجب ، وإن أدخلهما الإناء قبل أن يغسلهما لم يفسد الماء إذا لم تكن فيهما نجاسة . ويروى عن الحسن البصري أنه قال : " من غمس يده في إناء قبل الغسل أهراق الماء " ، وتابعه على ذلك من لا يعتد به . ويحكى عن بعض أصحاب الحديث أنه فصل بين نوم الليل ونوم النهار ، لأنه ينكشف في نوم الليل فلا يأمن أن تقع يده على موضع الاستنجاء ، ولا ينكشف في نوم النهار . قال أبو بكر : والذي في حديث علي من صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم يسقط هذا الاعتبار ويقتضي أن يكون ذلك سنة الوضوء ، لأن عليا كرم الله وجهه صلى الفجر ثم توضأ ليعلمهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثا ، فإنه لا يدري أين باتت يده " . قال محمد بن الحسن : كانوا يستنجون بالأحجار ، فكان الواحد منهم لا يأمن وقوع يده في حال النوم على موضع الاستنجاء وهناك بلة من عرق أو غيره فتصيبها ، فأمر بالاحتياط مع تلك النجاسة التي عسى أن تكون قد أصابت يده من موضع الاستنجاء . وقد اتفق الفقهاء على الندب ، ومن ذكرنا قوله آنفا فهو شاذ ، وظاهر الآية ينفي إيجابه ، وهو قوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) فاقتضى الظاهر وجوب غسلهما بعد إدخالهما الإناء ، ومن أوجب غسلهما قبل ذلك فهو زائد في الآية ما ليس فيها ، وذلك لا يجوز إلا بنص مثله أو باتفاق ، والآية على عمومها فيمن قام من النوم وغيره ، وعلى أنه قد روي أن الآية نزلت فيمن قام من النوم ، وقد أطلقت جواز الغسل على سائر الوجوه . وقد روى عطاء بن يسار عن ابن عباس أنه قال لهم : أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ؟ فدعا بإناء فيه ماء فاغترف غرفة بيده اليمنى فتمضمض واستنشق ، ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليمنى ، ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى ، وذكر الحديث . فأخبر في هذا الحديث أنه أدخل يده